حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
316
شاهنامه ( الشاهنامه )
من بعيد وثبا مبادرين اليه فعانقاه ، واستخبراه عما جرى له ، فأعلمها بما يسر له من قتل ذلك السبع ، وأشار عليهما بدخول الغيضة ليشاهدا العجب . ففعلا ورجعا اليه وقد انشرحت صدور هما بذلك . فانصرفوا وقدّم ميرين تحفا كثيرة وهدايا وافرة لكشتاسب فلم يقبل منها إلا فرسا ركبه وعاد إلى منزله . وبادر ميرين إلى حضرة قيصر وقال : أيها الملك ! قد كفيت أمر ذلك السبع العظيم . وقد قددته من مفرقه إلى زوره بنصفين . ففرح له قيصر واستبشر وأمر بأن يخرج من الأجمة على العجل إلى الميدان . فلما شاهده الملك صفق بيديه فرحا وسرورا . ثم أحضر الأسقف وزوّج ميرين ابنته . وأمر بتفريق الكتب إلى بطارقة الروم يخبرهم بما تسنى لميرين من كفاية شر ذلك السبع الهائل والتنين الصائل . قصة كشتاسب مع أهرَن خطبة أهرن وهو أحد القادة بنت قيصر الثالثة قال : وكان في بلاد الروم أمير آخر يسمى أهرن ذا بيت في الشرف أصيل وعرق في المجد عريق . فأرسل إلى قيصر يخطب اليه ابنته التي بقيت عنده ، ويقول : أنت تعلم أنى أشرف من ميرين حسبا ، وأكرم منه نسبا ، وأطول منه باعا ، وأرحب منه ذراعا ، فأرسل إليه الملك يقول : إنه لا يخفى أنى لم أزوّج ابنتي من ميرين حتى فعل بالسبع ما فعل . فإن كنت راغبا في هذه المصاهرة فلا بد لك من مثل ما فعله ميرين . في جبل سقيلا ثعبان قد ضيق على الخلق هذا الإقليم . فإن قتلته وكفيت الروم شره أجبتك إلى ما سألت . قال : فأفكر أهرن ففطن أن قتل الذئب ليس من صنيع ميرين ، وأن تلك الضربة ليست ضربته . وقال : الرأي . أن أركب إلى هذا المحتال ، واستخبره عن الحال فعساه أن يصدقني الخبر . فركب في موكبه وجاء إلى باب إيوان ميرين ، واستأذن ودخل فتلقاه ميرين بأتم إعظام وإكرام . ثم خلا به وقال : إني جئتك لأستخبرك عن شيء ، ولا بدّ أن تكشف الغطاء وتصدقني عنه . فضمن له عن نفسه الصدق فيما يسأله . فقال : إني خطبت إلى قيصر ابنته فأجابني على شريطة أن اقتل الثعبان . فأخبرني الآن كيف كان حرب السبع ، ودلني على وجه الحيلة فيه . فأطرق ميرين عند ذلك ساعة مفكرا ، وقال في نفسه : إن لم أخبره بمصدوقة الحال لم يخف الأمر عليه . والصدق هو رأس مال الفتوّة ، والكذب مباين للمروّة . والرأي أن أدله على الرجل فلعله تنحسم على يده أيضا مادة شر هذا الثعبان ، وأعتضد بأهرن ونكون بين الروم يدا واحدة لئلا يتمكن منا عدوّ ، ثم ندبر على هذا الفارس نقتله ليخفى الأمر ولا يطلع عليه أحد » .